سهيلة عبد الباعث الترجمان

239

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

يسعد " « 1 » . لذلك سميت حقيقة الإنسان لطيفة لأنها ظهرت بالنفس الرحماني الذي نفخه اللّه في عبده عند تسوية البدن ، فلو لا وجود اللّه لم يظهر للإنسان عين في الوجود ، فإن أصله لم يكن شيئا مذكورا ، وقد قال تعالى : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً « 2 » . فللوجود كما يراه إذن لذة وحلاوة ، وهو الخير ، وهذا هو الوجود بالمعنى الإيجادي والكوني ، إذ أن توهم العدم له ألم شديد في النفوس ، لا يعرفه قدر ذلك إلا العلماء باللّه وهذا الوجود بهذا المعنى هو ما يسميه ابن عربي ب - " ليس " وفي حال اتصافه بالوجود من حيث ذاته موصوف ب - " أيس " . فيقول بهذا الصدد : " كما أنّ " ليس " له ( للعبد ) حقيقة لا ينفكّ ( العبد ) عنها ، بل هي عينه ، كذلك " أيس " « * » الذي هو الوجود هو للحق سبحانه حقيقة لا يوصف بنقيضه ، بل الوجود عينه ( سبحانه ) ، وإن سلب ( تعالى ) عن نفسه الفعل وإضافته إلى السبب فإن ذلك غير مؤثر في وجوده للحق ، لمّا تحققنا أن العبد عدم والعدم لا ينسب إليه شيء " « 3 » . ولما كان العدم حقيقة الخلق والوجود حقيقة الحق فابن عربي يعتبر وجود هذا العالم وجودا متوهما يرسمه الخيال . وعليه " فالعالم متوهم ما له وجود حقيقي ، وهذا معنى الخيال ، أي خيّل إليه أنه أمر زائد قائم بنفسه ، خارج عن الحق ، وليس كذلك في نفس الأمر . . . " « 4 » " فالوجود كله خيال في خيال ، والوجود الحق إنما هو اللّه خاصة من حيث ذاته وعينه لا من حيث أسماؤه ولهذا فإنه ليس للعالم وجود حقيقي في ذاته ، بل هو أمر متوهم ، وهذا هو معنى الخيال يريك الشيء في صورة أخرى فإذا تأملته وأوّلته أدركت أنه هو هو " « 5 » .

--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب التراجم ( الرسائل ) ، الجزء الثاني ، ص 9 . ( 2 ) سورة مريم ، الآية : 9 ك . ( * ) ال " ليس " وال " أيس " يقصد بهما العدم والوجود من حيث أن العبد عدم والحق وجود . وهذا المصطلح نراه عند الكندي إذا أخذنا بالجانب الديني عنده وليس الفلسفي فنرى أن معنى الأيس عنده هو الوجود واللآأيس هو اللا وجود أو العدم . ( 3 ) يحيى ( عثمان ) ، الفتوحات المكية ، مرجع سابق ، ( ف 487 ) ، الجزء الثالث ، ص 358 . ( 4 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 103 . ( 5 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، مرجع سابق ، ص 110 .